عبد الشافى محمد عبد اللطيف

109

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك * تمهيد : الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وبعد ؛ عندما ظهر الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي ، كان هناك دولتان كبيرتان تقتسمان الزعامة على العالم المعروف يومئذ ، وهما دولتا الفرس والروم . فقد كان الروم يبسطون سلطانهم على الشام ومصر - منذ قرون عديدة - وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية - مهد الإسلام - من الشمال والشمال الغربي ، وكان الفرس يبسطون سلطانهم على اليمن والعراق ، وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية من الجنوب والشرق . وقد ظهر الإسلام في الوقت الذي كانت الحرب فيه مشتعلة بين الفرس والروم فالعداء بن الدولتين قديم ومزمن . وفي أثناء هذا الصراع الأخير بينهما تغلب الفرس على الروم في البداية ، وقهروهم واكتسحوا أهم وأغنى ولاياتهم في الشرق ، وهي الشام ومصر ، ووصلوا في زحفهم إلى مدينة الإسكندرية عام 619 م « 1 » . وقد ألحق الفرس بالروم إهانة كبيرة عندما استولوا على فلسطين - مهد المسيحية - ونقلوا الصليب المقدس إلى بلادهم - كان كل ذلك يجري « إبّان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة والمشركين ، ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب ، دينهم النصرانية وكان الفرس غير موحدين دينهم المجوسية فقد وجه المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد ، وفألا حسنا لانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان » « 2 » . ومعنى هذا أن العرب في شبه الجزيرة العربية ، والمسلمين والمشركين على السواء كانوا على علم بما يدور حولهم بين الدولتين الكبيرتين . وكان المشركون فرحين بانتصار الفرس على الروم ، وفي نفس الوقت كان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم على الفرس ، ودخل المسلمون في نقاش وجدل حول هذه القضية ، ولمن تكون

--> ( 1 ) د . عبد القادر أحمد اليوسف - الإمبراطورية البيزنطية ( ص 94 ) . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن ( 21 / 22 ) .